أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
151
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
وأحكامه . وقيل الشريعة النهي والأمر ، والحقيقة ما قضى وقدر وأخفى وأظهر . وقيل الشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . وقيل الشريعة دعوته والحقيقة تقريبه ومودته ، وقيل الشريعة الكتاب والسنة ، والحقيقة مشاهدة القهر والمنة . وقد جمع اللّه سبحانه وتعالى بين الشريعة والحقيقة في آيات كثيرة . فمنها قوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التّكوير : 28 ] وهذه شريعة وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] فهذه حقيقة . ومنها قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) [ المدّثّر : 55 ] فهذه شريعة وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ المدّثّر : 56 ] فهذه حقيقة . ومنها قوله تعالى تعليما لنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] حفظا للشريعة وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] إقرارا بالحقيقة و « إياك نعبد » فيه إثبات الكسب للعبد وإضافة العبادات إليه « وإياك نستعين » فيه رد الأمر إلى اللّه وأن العبادة بعونه وتسخيره ، وقيل « إياك نعبد » أي لا نعبد إلا إياك ولا نشرك في عبادتك غيرك ، فهذا مقام الشريعة ، فإياك نعبد مقام الأبرار وإياك نستعين مقام المقربين ؛ فالأبرار قائمون للّه ، والمقربون قائمون باللّه ، وأن إياك نستعين أي لا نستعين إلا بك لا بأنفسنا وحولنا ، فالعمل الأول هو العمل للّه ، والعمل الثاني هو العمل باللّه ، فالعمل للّه يوجب المثوبة ، والعمل باللّه يوجب القربة ، والعمل للّه يوجب تحقيق العبادة ، والعمل باللّه يوجب تصحيح الإرادة ، والعمل للّه نعت كل عابد ، والعمل باللّه نعت كل قاصد ، والعمل للّه القيام بالأحكام الظواهر ، والعمل باللّه القيام بالضمائر . فإذا عرفت ذلك يا أخي فلا تكسل في السعي ؛ فإن فاتك أمر مع الاجتهاد فارجع إلى الحقيقة وقل كذا قدر ، وهكذا ينبغي للعبد أن يسعى امتثالا للأمر وهو بباطنه معتمد على التقدير والحكم فإن أعطى شكر ، وإن منع سلم وصبر ، وفي الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « تحاج آدم وموسى قال موسى : أنت آدم أبو البشر خلقك اللّه بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ، فقال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه برسالاته وبكلامه ، تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدم موسى ثلاثا » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب القدر ، باب تحاج آدم وموسى عند اللّه ، حديث رقم ( 6614 ) ورواه مسلم ، كتاب القدر ، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه حديث رقم [ 13 - ( 2652 ) ] . ورواه غيرهما .